خليل الصفدي
400
أعيان العصر وأعوان النصر
اتقد ، فلو خاصم النيل مياه الأرض لقال : عندي قبالة كل عين إصبع ، ولو فاخرها لقال : أنت بالجبال أثقل ، وأنا بالملق أطبع . والنيل له الآيات الكبر ، وفيه العجائب والعبر ، منها وجود الوفاء عند عدم الصفاء ، وبلوغ الهرم إذا احتد واضطرم ، وأمن كل فريق إذا قطع الطريق ، وفرح قطان الأوطان إذا كسر ، والماء كما يقال سلطان ، وهو أكرم منتمي وأشرف منتدى ، وأعذب مجتنى وأعظم مجتدى ، إلى غير ذلك من خصائصه وبراءته ، مع الزيادة من نقائصه ، وهو أنه في ذا العلم المبارك جذب البلاد من الجدب ، وخلصها بذراعه وعصمها بخنادقه ، التي لا تراع من تراعه ، وحصّنها بسواري الصواري تحت قلوعه ، وما هي إلا عمد قلاعه . وراعى الأدب بين أيدينا الشريفة في مطالعتنا الشريفة في كل يوم بخير قاعة في رقاعه ، حتى إذا أكمل الستة عشر ذراعا ، وأقبلت سوابق الخيرات سراعا ، وفتح أبواب الرحمة بتغليقه ، وجد في طلب تخليقه ، وتضرّع بمد ذراعيه إلينا ، وسلم عند الوفا بأصابعه علينا ، ونشر علم ستره ، وطلاب لكرم طباعه جبر العالم بكسره . فرسمنا بأن يخلق ، ويعلم تاريخ هنائه ويعلق ، فكسر الخليج ، وقد كاد يعلوه فرح موجه ، ويهيل كثيب سده هول هيجه ، ودخل يدوس زرابي الدور المبثوثة ، ويجوس خلال الحنايا كأن له في هذا خبايا موروثة ، ومرق كالسهم من قسي قناطره المنكوسة ، وعلا زيد حركته ، ولولاه ظهرت في باطنه من بدور أناسه أشعتها المعكوسة ، وبشر بركة الفيل ببركة الفال ، وجعل المجنونة من تياره المتحدر في السلاسل والأغلال ، وملأ أكف الرجاء بأموال الأمواه ، وازدحمت في عبارة شكره أفواج الأفواه ، وأعلم الأقلام بعجزها عما يدخل من خراج البلاد ، وهنأت طلائعه بالطوالع التي نزلت بركاتها من اللّه - عزّ وجلّ - على العباد ، وهذه عوائد الألطاف الإلهية بنا ، التي لم نزل نجلس على موائدها ، ونأخذ منها ما نهبه لرعايانا من فوائدها . ويخص بالشكر قوادمها ، فهي تدب حولنا وتدرج ، وتخص قوادمها بالثناء والمدح ، والحمد فهي تدخل إلينا وتخرج ، فليأخذ الجناب العالي حظه من البشرى التي جادت المن والمنح ، وانهلت أياديها الغدقة بالسح والسفح ، وليتلقاها بشكر يضيء به في الدجا أديم الأفق ، ويتخذها عقدا يحيط به من العنق إلى النطق ، وليتقدم الجناب العالي بأن لا يحرك الميزان في هذه البشرى بالجباية لسانه ، وليعط كل عامل في بلادنا المحروسة بذلك أمانه ، وليعمل بمقتضى هذا المرسوم الشريف حتى لا يرى في إسقاط الجباية خيانة . واللّه تعالى يديم الجناب العالي لقص الأنباء الحسنة عليه ، ويمتّعه بجلاء عرائس التهاني والأفراح لديه ، بمنّه وكرمه - إن شاء اللّه تعالى - .